الراغب الأصفهاني
289
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وأما الخجل فحيرة النفس لفرط الحياء ، ويحمد في النساء والصبيان ويذم باتفاق من الرجال ، والوقاحة : مذمومة بكل لسان إذ هي انسلاخ من الإنسانية وحقيقتها لجاجة النفس في تعاطي القبيح واشتقاقه من حافر وقاح أي صلب ولهذه المناسبة قال الشاعر : يا ليت لي من جلد وجهك رقعة * فأقد منها حافر الأشهب وما أصدق قول الشاعر : صلابة الوجه لم تغلب على أحد * إلا تكمل فيه الشر واجتمعا فأما مداواة اكتساب الحياء فحق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من في نفسه حتى كأنه يراه ، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه « 1 » ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ، ولا من الذين لا يميزون ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل ، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد . والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة : البشر : وهم أكثر من يستحي منه ، ثم نفسه : ثم اللّه عز وجل ومن استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره ، ومن استحيا منهما ولم يستحي من اللّه فلعدم معرفته باللّه عز وجل ، فإن الإنسان يستحي ممن يعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه فيبكته ، ومن لا يعرف اللّه فكيف يستعظمه ، وكيف يعلم أنه مطلع عليه . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « استحيوا من اللّه حق الحياء » « 2 » في
--> - آخرين . كشف الخفاء / 1 / 244 حديث / 742 . ( 1 ) « حتى كأنه يراه ، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه » سقطت من ط وهي توضيحية في السياق . ومترتب عليها ما بعدها . ( 2 ) جزء من حديث طويل رواه الطبراني وأبو نعيم عن الحكم بن عمر ، وورد بألفاظ -